روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

144

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ : خشية الأنبياء من العتاب وخشية الأولياء من الحجاب وخشية العموم من العذاب . كما قال ابن عطاء في هذه الآية : هذه خشية السادة والأكابر ، وإنما خشية عوام الخلق من جهنم . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 41 إلى 42 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 42 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) : الذكر الكثير انحسار القلوب في أودية الغيوب عن السير في أنوار النعوت والصفات واضمحلال أسرارها في سنا الذات في جميع الأنفاس بلا فترة ولا غشية . قال النصرآبادي : وقّت اللّه العبادات كلها بأوقات إلا الذكر ؛ فإنه أمر أن يذكر ذكرا كثيرا ، والذكر الكثير للقلب ، وهو ألا يفتر القلب عن المشاهدة ، ولا يغفل عن الحضرة بحال ، ألا تراه لما رجع إلى المعلوم وقّت « 1 » وقال : وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، وأنشد : اللّه يعلم أنّي لست أذكره * وكيف أذكر من لست أنساه قال أبو الحسين بن هند : ناداهم ، ثم خص النداء ، ثم كنّاهم ، ثم أشار إليهم بالتوحيد ، ثم أمرهم بإقامة العبودية ، ثم منّ على نبيهم بذلك ، ولم يمنّ عليهم ؛ فإنه إنما خصهم بسببك ، والذكر إقامة العبودية . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 43 ] هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ : صلاة اللّه اختياره العبد في الأزل بمعرفته ومحبته ، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة ، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له ؛ لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه من اشتغاله باللّه وبمحبته ، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات

--> ( 1 ) اعلم أن الكثرة هنا عبارة عن : الاستيعاب والإحاطة بجميع الأوقات والحالات ، كما أن القلة في قوله تعالى في حق المنافقين : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 142 ] عبارة عن العدم : أي لا يذكرون اللّه تعالى إلا ذكرا هو ليس بذكر عنده تعالى ؛ لأنهم إنما يذكرون باللسان فقط ، والذكر اللساني المجرّد عن اعتقاد الجنان وإخلاصه قليل معدوم بالنسبة إلى الذكر القلبي ؛ لأن المقصود عمارة الباطن لا عمارة الظاهر ، فظهر أن الخلوص بمنزلة الإكسير الخالص في القلب .